محمد جمال الدين القاسمي

44

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ولم ينزل مِنَ الْفَجْرِ وكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ، ولا يزال يأكل حتى يتبيّن له رؤيتهما ، فأنزل اللّه بعده مِنَ الْفَجْرِ فعلموا إنما يعني الليل والنهار . ورويا أيضا « 1 » - واللفظ لمسلم - عن عدّي بن حاتم قال : لما نزلت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ قال له عديّ : يا رسول اللّه ! إنّي أجعل تحت وسادتي عقالين : عقالا أبيض وعقالا أسود ، أعرف الليل من النهار . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن وسادك لعريض . إنما هو سواد الليل وبياض النهار . . ! . قال ابن كثير : ومعنى قوله : إن وسادك لعريض أي : إن كان يسع تحته الخيطين المرادين من هذه الآية ؛ فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب . . ! وجاء في بعض هذه الألفاظ : إنك لعريض القفا . ففسّره بعضهم بالبلادة - وهو ضعيف - بل يرجع إلى هذا ؛ لأنه إذا كان وساده عريضا فقفاه أيضا عريض ، واللّه أعلم . انتهى . وفي الإتيان بلفظ التفعّل في قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ . . . إشعار بأنه لا يكفي إلّا التبيّن الواضح لا تباشير الضوء . وقد روى مسلم « 2 » عن سمرة بن جندب قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : لا يغرّنّكم من سحوركم أذان بلال ولا بياض الأفق المستطيل هكذا حتى يستطير هكذا . وحكاه حماد بيديه ، قال : يعني معترضا . و في لفظ آخر عنه : لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر - أو قال : - حتى ينفجر الفجر . و روى الإمام أحمد « 3 » عن قيس بن طلق عن أبيه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال ليس الفجر المستطيل في الأفق . ولكنه المعترض الأحمر . و رواه الترمذيّ « 4 » بلفظ : كلوا واشربوا ولا يهيدنكم الساطع المصعد ، وكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر . قال : وفي الباب عن عديّ بن حاتم وأبي ذرّ وسمرة . ثم قال : حديث طلق بن عليّ حديث حسن غريب من هذا الوجه ، والعمل على هذا - عند أهل العلم - أنّه لا يحرم على الصائم الأكل والشرب حتى يكون الفجر الأحمر المعترض ، وبه يقول أهل العلم . انتهى .

--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 28 - باب قوله : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا . . . إلخ ، حديث 974 . وأخرجه مسلم في : الصيام ، حديث 61 . ( 2 ) أخرجه مسلم في : الصيام ، حديث 41 - 43 ( طبعتنا ) . ( 3 ) أخرجه في المسند بالجزء الرابع ، صفحة 23 ( طبعة الحلبيّ ) . ( 4 ) أخرجه الترمذيّ في : الصوم ، 15 - باب ما جاء في بيان الفجر .